عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

397

اللباب في علوم الكتاب

فصل : [ في معنى قوله : « إقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار » ] المراد : الصلوات المفروضة لما روى سالم « 1 » ( عن ) « 2 » ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة ، فقام الناس وأغلقوا حوانيتهم ، فدخلوا المسجد ، فقال ابن عمر : فيهم نزلت هذه الآية : « رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ » « 3 » . وقوله : « وَإِيتاءِ الزَّكاةِ » يريد : المفروضة . قال ابن عباس : إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها « 4 » . وروي عن ابن عباس أيضا : المراد من الزكاة : طاعة اللّه والإخلاص . وهذا ضعيف لأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء « 5 » ، وهذا لا يحتمل إلا ما يعطى من حقوق المال « 6 » . قوله : « يَخافُونَ يَوْماً » يجوز أن يكون نعتا ثانيا ل « رجال » ، وأن يكون حالا من مفعول « تلهيهم » « 7 » و « يوما » مفعول به لا ظرف على الأظهر « 8 » ، و « تتقلّب » صفة ل « يوما » . قوله : « تتقلّب فيه القلوب والأبصار » : تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشرك والكفر وتنفتح الأبصار من الأغطية بعد أن كانت مطبوعة عليها لا تبصر ، وكلهم انقلبوا من الشك إلى اليقين ، كقوله : « وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ » « 9 » وقوله : « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » « 10 » . وقيل : تتقلب القلوب تطمع في النجاة وتخشى الهلاك ، وتتقلب الأبصار من أي ناحية يؤخذ أمن « 11 » ناحية اليمين أم « 12 » من ناحية الشمال ؟ ومن أي ناحية يعطون كتابهم ، أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال ؟ والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل ، لأنهم قالوا : إن أهل الثواب لا خوف عليهم البتة ، وأهل العقاب لا يرجون العفو . وقيل : إن القلوب تزول من أماكنها فتبلغ الحناجر ، والأبصار تصير زرقا « 13 » . وقيل : تقلب البصر : شخوصه من هول الأمر وشدته « 14 » .

--> ( 1 ) هو سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، العدوي ، أبو عمر ، أحد الفقهاء السبعة ، وردت الرواية عنه في حروف القرآن . مات سنة 106 ه . طبقات القراء 1 / 301 . ( 2 ) عن : سقط من الأصل . ( 3 ) انظر تفسير ابن عطية 10 / 516 - 517 ، الفخر الرازي 24 / 4 . ( 4 ) انظر البغوي 6 / 126 . ( 5 ) في ب : علق الإيتاء بالزكاة . ( 6 ) انظر الفخر الرازي 24 / 5 . ( 7 ) انظر التبيان 2 / 971 . ( 8 ) وذلك على حذف مضاف أي : يخافون حساب يوم ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، لأن الزمان والمكان محلان للحدث ، ولا يقع الحدث عليهما . ( 9 ) [ الزمر : 47 ] . ( 10 ) [ ق : 22 ] . ( 11 ) في النسختين : من . ( 12 ) في ب : أو . ( 13 ) انظر الفخر الرازي 24 / 5 - 6 . ( 14 ) انظر البغوي 6 / 126 - 127 .